لماذا لا تنجح نماذج الابتكار المستنسخة في الجهات الحكومية؟

لماذا لا تنجح نماذج الابتكار المستنسخة في الجهات الحكومية؟

February 21, 20262 min read

تميل كثير من الجهات الحكومية عند الحديث عن الابتكار، إلى النظر نحو القطاع الخاص باعتباره النموذج الأكثر نضجًا وسرعة. يتم تبني منهجيات، وأطر عمل، وأدوات جاهزة على أمل تحقيق النتائج نفسها. غير أن التجربة العملية تُظهر أن هذا النقل المباشر، رغم حسن النية، لا يؤدي بالضرورة إلى الابتكار المنشود، بل قد يخلق فجوة بين ما يُنفّذ وما يُفترض أن يتحقق من أثر عام.

السبب الجوهري لا يكمن في ضعف نماذج القطاع الخاص، بل في اختلاف السياق اختلافًا جذريًا. فالابتكار في الشركات مدفوع بالمنافسة والربحية والنمو، بينما الابتكار في الجهات الحكومية محكوم بالمسؤولية العامة، والاستدامة، وعدالة الأثر. هذا الاختلاف يغيّر معنى النجاح نفسه. ما يُعد ابتكارًا ناجحًا في السوق قد لا يكون كذلك في الخدمة العامة، لأن القيمة هنا لا تُقاس بالسرعة فقط، بل بموثوقية القرار وتأثيره طويل المدى.

كما أن مفهوم المخاطرة يختلف اختلافًا عميقًا بين السياقين. في القطاع الخاص، تُدار المخاطرة كجزء طبيعي من العمل، أما في الحكومة فهي مرتبطة بالمساءلة العامة والأنظمة والتشريعات. لذلك، لا يمكن للجهات الحكومية أن تتبنى نماذج ابتكار تفترض حرية تجريب مطلقة دون أن تعيد تصميم التجريب نفسه ليكون منضبطًا، شفافًا، ومتصلاً بالقرار. الابتكار الحكومي لا يحتاج جرأة أقل، بل يحتاج جرأة محسوبة ومحمية.

إضافة إلى ذلك، يتسم القرار الحكومي بتعقيد أكبر، حيث يتداخل فيه البعد التشريعي والمالي والسياسي والتنظيمي. النماذج المستنسخة غالبًا تفترض مسار قرار سريع ومركزي، وهو ما لا يعكس الواقع الحكومي. وعندما لا يُصمَّم الابتكار ليتعامل مع هذا التعقيد، يتحول إلى نشاط جانبي جميل في العرض، محدود في التأثير.

أما البحث في الجهات الحكومية، فغالبًا ما يُساء فهم دوره. البحث هنا ليس غاية معرفية مستقلة، بل مدخلًا لتحسين السياسات والخدمات. عندما يُفصل البحث عن الابتكار والتنفيذ، تنتج معرفة جيدة لكنها لا تجد طريقها إلى القرار. النماذج الفاعلة هي التي تربط السؤال البحثي بالمشكلة العامة، ثم بالتجريب، ثم بالحسم، ضمن مسار واحد متكامل.

التجارب الحكومية الناجحة في الابتكار لم تعتمد على استنساخ نماذج جاهزة، بل على إعادة تصميمها بما يناسب طبيعتها. عدّلت الأدوات، وأبطأت الإيقاع حيث يلزم، وبنت حوكمة تحمي الابتكار من التوقف دون أن تخنقه. الأهم من ذلك، أنها ربطت الابتكار بأولويات وطنية واضحة، لا باتجاهات عابرة أو مقارنات شكلية.

في النهاية، نقل نماذج الابتكار من القطاع الخاص إلى الحكومة دون إعادة تفكير يشبه استخدام حل جاهز لمشكلة مختلفة تمامًا. الابتكار الحكومي الحقيقي يبدأ عندما تتوقف الجهات عن تقليد النماذج، وتبدأ في تصميم نماذج تنطلق من مسؤوليتها، وسياقها، ودورها في صناعة الأثر العام.

عند هذه النقطة، يتحول البحث والابتكار من أدوات مستعارة قصيرة العمر، إلى قدرات مؤسسية راسخة قادرة على تحسين حياة الناس بثبات واستدامة.انضموا إلينا وكونوا جزءًا من مجتمع مهني يقود الابتكار ويحول الافكار إلى أثر حقيقي

مدرب معتمد وخبير في الابتكار والتفكير الإبداعي

أسامة بدندي

مدرب معتمد وخبير في الابتكار والتفكير الإبداعي

Back to Blog

إشترك في نشرتنا الإبداعية

كن أول من يحصل على الجديد..!!

اشترك لتصلك تحديثات الدورات، أدوات التفكير الإبداعي، وكل ما يساعدك لبناء عقلية الابتكار.

Unable to find form

تابعنا على السوشيال ميديا

تابعنا على السوشيال ميديا

Copyright 2025 .Royal plans LLC All Rights Reserved

Powered By : BrandMeOn