
لماذا كان الابتكار المنظور الفارق في قياس التحول الرقمي؟
عند إطلاق قياس التحول الرقمي للجهات الحكومية، بدا واضحًا أن معظم المنظورات تركز على عناصر يمكن ضبطها نسبيًا، مثل البنية التقنية، الحوكمة الرقمية، الخدمات الإلكترونية، وإدارة البيانات. غير أن المنظور العاشر: البحث والابتكار شكّل نقطة تحول حقيقية في نتائج القياس، إذ لم يكن مجرد محور إضافي، بل اختبارًا لقدرة الجهة على التفكير والتجدد والاستدامة.
الابتكار لم يكن منظورًا تقنيًا بحتًا، ولا إجراءً تنظيميًا بسيطًا، بل عكس نضجًا مؤسسيًا عميقًا، وهو ما جعل نتائجه فارقة، وصعبة، ومؤثرة في الدرجات النهائية.
الابتكار كشف الفجوة بين التحول الرقمي والتنفيذ الحقيقي
أظهرت نتائج القياس أن كثيرًا من الجهات نجحت في رقمنة خدماتها، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء قدرة مؤسسية على الابتكار. فالتحول الرقمي لا يكتمل بمجرد أتمتة الإجراءات أو إطلاق المنصات، بل يتطلب قدرة مستمرة على:
رصد التحديات المستقبلية
إعادة تصميم الخدمات
اختبار حلول جديدة
قياس أثرها وتطويرها
المنظور العاشر لم يقس ما لدى الجهة من أنظمة، بل قاس كيف تفكر الجهة، وكيف تتعلم، وكيف تتغير، وهو ما كشف فجوة واضحة بين “التحول الرقمي التشغيلي” و“التحول الرقمي المستدام”.
لماذا أسهم الابتكار بشكل كبير في درجات القياس؟
لأن الابتكار بطبيعته منظور شمولي وعابر للمحاور. فهو يتقاطع مع:
تجربة المستفيد
كفاءة العمليات
جودة البيانات
الحوكمة
القيادة
الثقافة المؤسسية
وعندما تكون منظومة الابتكار ضعيفة أو غير ناضجة، ينعكس ذلك تلقائيًا على عدة مناظير أخرى، ما يجعل أثره على الدرجة مضاعفًا. ولهذا السبب، لم يكن انخفاض درجة الابتكار مسألة مستقلة، بل كان مؤشرًا على تحديات أعمق في قدرة الجهة على التطوير المستمر.
لماذا عانت كثير من الجهات من هذا المنظور تحديدًا؟
لأن الابتكار يتطلب انتقالًا من العمل بالمشاريع إلى العمل بالأنظمة. كثير من الجهات كانت تعتمد على:
مبادرات فردية
أفكار موسمية
ورش عمل غير مرتبطة بقرار أو تنفيذ
أنشطة ابتكار غير موثقة أو غير مقاسة
بينما جاء المنظور العاشر ليطرح أسئلة أكثر عمقًا، مثل:
هل لدى الجهة استراتيجية ابتكار واضحة؟
هل توجد منهجية معتمدة لإدارة الابتكار؟
هل هناك حوكمة، وأدوار، ومؤشرات قياس؟
هل تُقاس القيمة المتحققة من الابتكار؟
هذه الأسئلة لم تكن سهلة، لأنها تتطلب نضجًا إداريًا وثقافيًا، وليس مجرد استكمال متطلبات شكلية.
الابتكار غيّر تعريف النجاح في التحول الرقمي
قبل المنظور العاشر، كان النجاح في التحول الرقمي يُقاس غالبًا بعدد الخدمات الرقمية، أو نسبة الأتمتة، أو جاهزية البنية التقنية. أما بعد إدخال الابتكار كمحور مستقل، فقد أصبح النجاح يُقاس بقدرة الجهة على:
الاستجابة للتغير
التعلم من التجربة
تحسين الخدمات بناءً على البيانات
خلق قيمة جديدة للمستفيد
وبذلك انتقل القياس من سؤال:
“هل لدينا نظام رقمي؟”
إلى سؤال أكثر عمقًا:
“هل نحن قادرون على التطور الرقمي بشكل مستمر؟”
الابتكار كمرآة للقيادة والثقافة المؤسسية
أحد الأسباب الجوهرية لكون الابتكار منظورًا فارقًا هو أنه يعكس بشكل مباشر:
التزام القيادة
وضوح التوجه الاستراتيجي
نضج الثقافة المؤسسية
درجة تمكين الموظفين
فالابتكار لا يمكن أن ينجح في بيئة لا تحتمل التجربة، أو تخشى التغيير، أو تفتقر إلى الثقة واتخاذ القرار. ولذلك، لم يكن ضعف الابتكار في بعض الجهات ضعفًا في الأدوات، بل في البيئة التي تُدار فيها هذه الأدوات.
الخلاصة: لماذا كان الابتكار المنظور الأصعب والأهم؟
لأن الابتكار هو المنظور الوحيد الذي لا يمكن تحقيقه بالوثائق وحدها، ولا بالأنظمة فقط، ولا بالمشاريع المؤقتة. إنه يتطلب بناء قدرة مؤسسية مستدامة تبدأ من القيادة، وتمر بالحوكمة، وتُترجم إلى عمليات واضحة، وتنتهي بأثر قابل للقياس.
ولهذا، كان الابتكار هو المنظور الفارق في قياس التحول الرقمي؛ ليس لأنه الأصعب تقنيًا، بل لأنه الأكثر صدقًا في قياس جاهزية الجهات للمستقبل، وقدرتها على التحول من الرقمنة إلى التجدد المستمر.


