
لماذا تنجح مبادرات الابتكار في التقارير وتفشل في الواقع؟
من أكثر المشاهد تكرارًا في المؤسسات أن تُصنَّف مبادرات الابتكار على أنها “ناجحة” لأن متطلبات القياس اكتملت، بينما لا يشعر أحد بأي فرق حقيقي بعد ذلك. لا تغيّر في طريقة العمل، ولا في جودة القرار، ولا في تجربة المستفيد. هنا لا نتحدث عن فشل إداري بسيط، بل عن خلل عميق في فهم معنى الابتكار نفسه.
المشكلة لا تبدأ عند القياس، بل عند النية التي صُمّم بها القياس. عندما يكون الهدف الأساسي هو اجتياز التقييم، فإن كل ما يُبنى بعده سيخدم هذا الهدف فقط. نُصمّم المبادرات لتُرى، لا لتُغيّر. نكتب الأطر، وننشئ اللجان، ونعدّ المؤشرات، لكننا لا نسأل السؤال الأهم: ما القرار الذي سيختلف إذا نجحت هذه المبادرة؟
الابتكار الذي لا يربك القرار… لا يصنع أثرًا
من خبرتي، الابتكار الحقيقي يربك. يطرح أسئلة غير مريحة، ويجبر القيادة على إعادة النظر في افتراضات مستقرة. أما الابتكار الذي يمر بسلاسة كاملة، وغالبًا دون مقاومة، فهو في العادة ابتكار بلا أنياب. جميل، منظم، لكنه غير مؤثر.
حين تُدار مبادرات الابتكار بمعزل عن نقاط القرار الفعلية في الجهة، تصبح نتائجها اختيارية. يمكن الإعجاب بها، ويمكن تجاهلها، دون أي تكلفة. وهنا يفقد الابتكار قيمته، مهما ارتفعت درجته في القياس.
القياس لا يرى ما لا نريد رؤيته
معظم مؤشرات الابتكار تقيس ما هو مرئي وسهل: نشاط، مشاركة، عدد، التزام. لكنها لا تقيس ما هو أصعب:
هل توقّفنا عن مبادرة لأن التجربة أثبتت عدم جدواها؟
هل غيّرنا إجراءً قائمًا بناءً على اختبار؟
هل تخلّينا عن حل “مألوف” لصالح حل جديد؟
هذه القرارات نادرًا ما تُوثّق، لكنها هي التي تميّز الابتكار الحقيقي عن النشاط الشكلي.
حين نكافئ الاكتمال بدل التعلّم
في كثير من الحالات، تُكافأ الفرق على إغلاق المبادرة، لا على ما تعلّمته منها. يتم التعامل مع الابتكار كمشروع له بداية ونهاية، لا كمسار مستمر. وعندما ينتهي المشروع، ينتهي معه كل ما كان يمكن أن يتطوّر.
الابتكار لا يفشل لأن الأفكار ضعيفة، بل لأن التعلّم لا يُدار. لا توجد آلية واضحة لتحويل ما تعلّمناه إلى تعديل في السياسات أو الإجراءات أو الأولويات. فيبقى التعلّم حبيس العرض التقديمي الأخير.
قد عملت مع جهات امتلكت أطر ابتكار متقدمة، لكنها لم تمتلك شجاعة إيقاف مبادرة واحدة رغم وضوح فشلها. في المقابل، رأيت جهات أقل اكتمالًا في القياس، لكنها أكثر جرأة في القرار، فحققت أثرًا حقيقيًا خلال وقت أقصر. هنا فهمت أن الفارق ليس في الإطار… بل في الجرأة على استخدامه.
تفشل مبادرات الابتكار رغم اكتمال متطلبات القياس لأنها تُدار لتبدو ناجحة، لا لتكون مؤثرة. القياس يصبح قناعًا مطمئنًا يخفي غياب القرار، بدل أن يكون مرآة صادقة تكشف أين يجب أن نتغير.
الابتكار لا يحتاج المزيد من المؤشرات، بل يحتاج مؤشرات تقود إلى قرارات. وعندما يحدث ذلك، لن نسأل لماذا فشلت المبادرات… بل سنسأل لماذا تأخرنا في البدء..


