
نحن دائمًا نأكل الفيلة
قد تبدو عبارة «نحن دائمًا نأكل الفيلة» صادمة أو غير منطقية للوهلة الأولى، لكنها في عالم الابتكار تعبّر عن عقلية مختلفة في التعامل مع التحديات الكبرى. هي ليست دعوة للمجازفة غير المحسوبة، بل تعبير عن فهم عميق لطبيعة المشكلات المعقدة: أن ما يبدو مستحيلًا يمكن التعامل معه عندما يُفكك، ويُفهم، ويُدار بخطوات واعية ومتدرجة. هذا المعنى ينسحب اليوم بشكل مباشر على واقع التحول الرقمي في الجهات الحكومية، الذي يُعد من أعقد وأضخم برامج التغيير المؤسسي.
في كثير من الجهات الحكومية، يُنظر إلى التحول الرقمي على أنه «فيل ضخم»: أنظمة تقنية قديمة متراكمة عبر سنوات، إجراءات مترهلة بُنيت حول اللوائح لا حول المستفيد، تشريعات يصعب مواءمتها مع السرعة الرقمية، مقاومة طبيعية للتغيير داخل المنظومة، نقص في المهارات الرقمية، وضغط متزايد لتحسين جودة الخدمات في ظل موارد مالية وبشرية محدودة. في هذا السياق، يظهر الابتكار ليس كترف تنظيمي أو مبادرة تجميلية، بل كخيار استراتيجي وحتمي لضمان الاستمرارية والملاءمة المستقبلية. الجهات التي “تأكل الفيل” لا تحاول معالجة كل هذه التحديات دفعة واحدة، بل تبدأ بذكاء: خدمة واحدة، إجراء واحد، تجربة مستفيد واحدة، ثم تبني على النجاحات الصغيرة لتوليد زخم التغيير.
الابتكار في التحول الرقمي الحكومي لا يعني فقط إدخال تقنيات جديدة أو إطلاق منصات إلكترونية، بل يعني إعادة التفكير الجذري في طريقة العمل. كيف تُصمَّم الخدمات من منظور المستفيد لا من منظور الهيكل التنظيمي؟ كيف تُختصر الرحلات الطويلة والمعقدة التي ترهق المواطن والموظف على حد سواء؟ كيف تتحول البيانات من عبء إداري يُخزَّن للامتثال، إلى أصل استراتيجي يُستخدم للتخطيط، والتنبؤ، وتحسين الأداء؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل هي الأدوات العملية – أو “السكاكين” – التي نستخدمها لأكل “الفيل” بشكل منهجي ومدروس.
الجهات الحكومية المبتكرة تدرك أن النجاح في التحول الرقمي لا يتحقق بالقفز مباشرة إلى الحلول التقنية أو الاعتماد المفرط على الموردين، بل ببناء ثقافة تنظيمية تدعم التغيير. ثقافة تشجع التجريب المنضبط، وتقبل الخطأ المحسوب كجزء من التعلم، وتستثمر في رفع كفاءة الموظفين وتمكينهم من أدوات الابتكار. فالتحول الرقمي الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل النظام، ومن العقلية قبل المنصة، ومن طريقة التفكير قبل أي كود أو تطبيق.
كما أن الابتكار يتيح للحكومة الانتقال من منطق «الاستجابة» إلى منطق «الاستباق». فبدل انتظار المشكلة ثم التعامل معها، يمكن – عبر التحليلات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والتكامل بين الجهات – التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية، وتقليل التعقيد قبل أن يتفاقم، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتحقيق أثر ملموس في حياة المستفيدين. عند هذه المرحلة، لا يختفي “الفيل”، لكنه يصبح أقل تهديدًا، وأكثر قابلية للإدارة، وأكثر وضوحًا في أجزائه.
في النهاية، عبارة «نحن دائمًا نأكل الفيلة» ليست عن الجرأة وحدها، بل عن المنهج القيادي في إدارة التحول. هي رسالة بأن التحديات الكبرى في التحول الرقمي الحكومي يمكن التعامل معها متى ما توفرت الرؤية الواضحة، والابتكار المنهجي، والإرادة المؤسسية المستمرة. الجهات التي تنجح ليست بالضرورة تلك التي تملك أكبر الميزانيات أو أحدث التقنيات، بل تلك التي تملك الشجاعة لتبدأ، والذكاء لتجزّئ، والانضباط لتستمر.
وهكذا، خطوة بخطوة، خدمة بخدمة، قرارًا بعد قرار… هكذا يصبح أكل الفيلة مبدعاً.


