
قياس الابتكار في التحول الرقمي: ما الذي يُربك الجهات في المنظور العاشر؟
عند الحديث عن التحول الرقمي، تميل كثير من الجهات إلى الاطمئنان ما دامت الأنظمة تعمل، والمنصات أُطلقت، والمؤشرات التقنية تتحسن. لكن هذا الاطمئنان غالبًا ما يتلاشى عند الوصول إلى المنظور العاشر: البحث والابتكار. هنا يتغير السؤال، ويتغير المزاج، ويظهر ارتباك لا تخطئه العين.
ليس لأن الابتكار غائب، بل لأن قياسه يكشف فجوة لم تُحسم بعد:
نحن نحب الحديث عن الابتكار… لكننا لم نقرر كيف نُديره، ولا كيف نُحاسَب عليه.
في أكثر من جهة عملت معها، لم تكن المشكلة في غياب المبادرات أو ضعف الأفكار، بل في لحظة أبسط وأصعب: لحظة القرار. قرار أن نعامل الابتكار كمسؤولية مؤسسية، لا كمساحة تجريبية بلا مساءلة.
من واقع الممارسة، الابتكار هو أكثر عناصر التحول الرقمي تعرضًا لسوء الفهم. يُنظر إليه كنشاط داعم، أو مساحة تجريبية، أو “إضافة جميلة” للجهود الرقمية. وعندما يأتي وقت القياس، نتفاجأ بأن ما نملكه قصص وتجارب متفرقة، لا قدرة مؤسسية واضحة المعالم.
الابتكار لا يتعثر في القياس… بل قبل ذلك
الخطأ الشائع هو الاعتقاد أن الإشكال يبدأ عند المؤشر أو الأداة. الحقيقة أن التعثر يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما لا يُبنى الابتكار كنظام. لا نموذج تشغيل واضح، ولا دورة حياة للفكرة، ولا مسار يربط التجربة بالأثر الرقمي. وعند القياس، نحاول أن نثبت ما لم نُصمّمه أصلًا ليثبت.
المنظور العاشر لا يسأل: هل نفذتم مبادرات ابتكارية؟
بل يسأل: هل تملكون قدرة مستمرة على الابتكار تخدم التحول الرقمي؟
حين يعمل الابتكار على الهامش
في كثير من الجهات، تعمل مبادرات الابتكار بمعزل عن المسار الأساسي للتحول الرقمي. تُنتج حلولًا ذكية، لكنها لا ترتبط مباشرة بتحسين خدمة، أو تسريع إجراء، أو دعم قرار. وعند القياس، لا يظهر الأثر لأن العلاقة لم تُصمَّم منذ البداية.
رأيت مبادرات ابتكارية ناجحة فنيًا، لكنها اختفت ببساطة لأنها لم تكن مرتبطة بهدف رقمي واضح، ولم يكن هناك من يتبناها بعد انتهاء التجربة.
من عدّ الجهود إلى مساءلة الأثر
الانتقال الأصعب الذي يفرضه المنظور العاشر هو تغيير لغة القياس. لم يعد كافيًا الحديث عن عدد الورش أو المبادرات أو الشراكات. القياس هنا يسأل أسئلة غير مريحة:
ما الذي تغيّر؟
ما الذي تحسّن؟
وأي قرار اتُّخذ بناءً على تجربة ابتكارية؟
هذه الأسئلة لا تُربك لأنها صعبة، بل لأنها تتطلب شجاعة في الإجابة.
الاستدامة: الامتحان الذي لا يُجامل
كثير من المبادرات الابتكارية تنجح… ثم تختفي. تتغير الفرق، أو الأولويات، أو القيادات، فيتوقف المسار. المنظور العاشر لا يكافئ لحظة النجاح، بل يقيس القدرة على الاستمرار. الابتكار المرتبط بأشخاص أو حماس مؤقت لا يُعد قدرة مؤسسية، ولن يُقاس كذلك.
الحوكمة قبل الإبداع
في عدد كبير من الحالات، لا تفشل الأفكار بسبب ضعفها، بل بسبب غياب القرار. من يملك المبادرة؟ من يقرر تبنّيها أو إيقافها؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟ غياب الحوكمة يجعل الابتكار معلقًا بين النوايا والتنفيذ، ويجعل قياسه معقدًا مهما كان الجهد المبذول.
الخلاصة ،التحدي في المنظور العاشر ليس نقص أفكار، ولا قسوة معايير، ولا صعوبة قياس. التحدي الحقيقي هو أن الابتكار ما زال يُدار في كثير من الجهات كفكرة جذابة، لا كقدرة استراتيجية.
الجهات التي تتقدم في هذا المنظور لم تفعل ذلك لأنها ابتكرت أكثر، بل لأنها:
حسمت دور الابتكار
ربطته صراحة بالتحول الرقمي
قبلت مساءلته وقياس أثره
وبنته كنظام يستمر بتغيّر الأشخاص
وعندها فقط، يصبح قياس الابتكار نتيجة طبيعية… لا مفاجأة سنوية.
بعد سنوات من العمل مع جهات مختلفة، تعلّمت أن الابتكار لا يفشل في الفكرة، بل في ما نؤجله من قرارات. وحين نحسم هذه القرارات مبكرًا، يصبح القياس مجرد انعكاس صادق لما نفعله… لا مصدر قلق نخشى مواجهته.


