
الابتكار مسؤولية القيادة قبل أن يكون مبادرة تنظيمية
في كثير من المؤسسات، يُعلَن دعم الابتكار بوصفه أولوية استراتيجية، وتُكرَّر الرسائل التي تشجّع على تقديم الأفكار الجديدة. ومع ذلك، يبقى الابتكار في كثير من الأحيان حبيس الشعارات، غير قادر على التحول إلى سلوك مؤسسي أو نتائج قابلة للقياس. لا يعود هذا التناقض إلى ضعف القناعة بأهمية الابتكار، بل إلى سوء فهم الدور الحقيقي للقيادة في بنائه. فهناك فارق جوهري بين قيادة تسمح بالابتكار وقيادة تمكّن الابتكار، وهذا الفارق هو ما يحدد ما إذا كان الابتكار سيبقى فكرة جميلة أم قدرة مؤسسية حقيقية.
القيادة التي تسمح بالابتكار تكتفي غالبًا بإرسال رسالة مفادها أن الأفكار مرحّب بها، دون أن تُجري تغييرًا فعليًا في الأنظمة أو السياسات أو آليات العمل. في هذا النموذج، يُطلب من الموظفين الابتكار داخل أطر تقليدية لا تحتمل المخاطرة، وإجراءات معقّدة لا تشجّع التجربة. ومع مرور الوقت، يدرك الأفراد أن الابتكار مسموح نظريًا، لكنه غير آمن عمليًا، فيتراجع الحماس، وتختفي المبادرات، ويحلّ الامتثال محل الإبداع.
في المقابل، القيادة التي تمكّن الابتكار تنظر إليه باعتباره مسؤولية قيادية قبل أن يكون مبادرة تنظيمية. هذا النوع من القيادة لا يكتفي بالتصريحات، بل يعمل على تهيئة البيئة التي تجعل الابتكار ممكنًا. فهي تعيد تصميم العمليات، وتراجع السياسات التي تعيق التجربة، وتخصص موارد واضحة، وتضع أطرًا لاتخاذ القرار تقلّل من التعقيد وتسريع الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ. التمكين هنا يعني أن الموظف لا يملك فقط حرية التفكير، بل يمتلك الوسائل والدعم والحماية اللازمة لتحويل أفكاره إلى واقع.
أحد أكثر الفروق حساسية بين النموذجين يظهر في طريقة التعامل مع الفشل. القيادة التي تكتفي بالسماح بالابتكار قد تتحدث عن تقبّل الفشل، لكنها في الواقع تميل إلى محاسبة الأفراد عند أول تعثّر. أما القيادة الممكّنة، فتتعامل مع الفشل المبكر باعتباره جزءًا أصيلًا من عملية التعلم، وتفصل بوضوح بين الفشل الناتج عن التجريب المسؤول والفشل الناتج عن الإهمال. بهذه العقلية، يتحول الفشل من مصدر خوف إلى أداة تطوير، ومن عائق نفسي إلى رافعة معرفية.
ويبرز الفرق أيضًا في آليات اتخاذ القرار. في البيئات التي تسودها قيادة الإذن، يبقى القرار مركزيًا، ما يؤدي إلى بطء التنفيذ وفقدان الزخم. أما القيادة الممكّنة، فتُعيد توزيع الصلاحيات ضمن إطار حوكمة واضح، يسمح لفرق الابتكار باتخاذ قرارات محسوبة في الوقت المناسب. هذا التفويض الواعي لا يسرّع الابتكار فحسب، بل يعزّز شعور الملكية والمسؤولية، ويحوّل الفرق من منفّذين إلى شركاء في صناعة القيمة.
وتنعكس هذه الممارسات القيادية بشكل مباشر على ثقافة المؤسسة. ففي بيئة الإذن، يسود الحذر، ويختبر الموظفون حدود المسموح دون يقين. أما في بيئة التمكين، فتتشكّل ثقافة واضحة المعالم، يشعر فيها الأفراد أن الابتكار جزء طبيعي من طريقة العمل، لا مخاطرة شخصية تتطلب شجاعة استثنائية. في هذه الثقافة، تصبح المبادرة سلوكًا يوميًا، ويغدو التفكير الإبداعي ممارسة مؤسسية لا استثناءً.
في نهاية المطاف، لا يتعثر الابتكار بسبب نقص الأفكار، بل بسبب غياب القيادة القادرة على تحويل القناعة إلى ممارسة. فالثقافة لا تُبنى بالخطابات ولا بالسياسات المكتوبة، بل بالسلوك اليومي للقيادة، وبالقرارات التي تُتخذ تحت الضغط، وبالرسائل غير المعلنة التي تصل إلى الموظفين من خلال الأفعال لا الأقوال. وحين تنتقل القيادة من مجرد السماح بالابتكار إلى تمكينه فعليًا، يتحول الابتكار من مبادرة ظرفية إلى قدرة مؤسسية مستدامة.
الابتكار في جوهره ليس مشروعًا إضافيًا، بل خيارًا قياديًا يُمارس كل يوم. وحين تدرك القيادة هذا المعنى، يصبح الابتكار ثقافة حيّة، ومحركًا حقيقيًا للنمو، وأداة فاعلة لصناعة المستقبل بدل الاكتفاء بالتفاعل معه.


