
هل الهاكاثونات تُشعل الابتكار أم تُجمّله فقط؟
سؤال مشروع، لأن الهاكاثون يمكن أن يكون شرارة تغيّر طريقة العمل فعلاً، ويمكن في الوقت نفسه أن يتحول إلى ديكور تنظيمي لالتقاط الصور وتكرار الشعارات. الفارق لا يكمن في “اسم الفعالية”، بل في تصميمها وما يحدث بعدها. الهاكاثون ليس سحراً ولا خدعة؛ هو أداة. والأداة إمّا تُستخدم لبناء أثر… أو لصناعة انطباع.
سؤال مشروع لأن الهاكاثون يمكن أن يكون شرارة تغيّر طريقة العمل فعلاً، ويمكن في الوقت نفسه أن يتحول إلى ديكور تنظيمي لالتقاط الصور وتكرار الشعارات. الفارق لا يكمن في “اسم الفعالية”، بل في تصميمها وما يحدث بعدها. الهاكاثون ليس سحراً ولا خدعة؛ هو أداة. والأداة إمّا تُستخدم لبناء أثر… أو لصناعة انطباع.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة قدتُ أكثر من خمسين هاكاثوناً في سياقات مختلفة، ومع جهات وقطاعات وتحديات متنوعة. هذه التجربة جعلتني أرى بوضوح أن الهاكاثون لا يضمن الابتكار تلقائياً، لكنه يكشف بسرعة “قدرة المنظومة” على الابتكار: هل لدينا تحديات حقيقية؟ هل نتحمل التجريب؟ هل نملك قراراً وميزانية ومساراً للتحويل؟ أم نكتفي بالعرض ثم نعود إلى نفس الأساليب القديمة؟
حين يُشعل الهاكاثون الابتكار فعلاً، فإنه يضغط الزمن ليقلل التسويف ويزيد التعلم. بدلاً من أشهر من الاجتماعات، تحصل الفرق على أيام قليلة لتحويل الفكرة إلى نموذج أولي، ثم تتلقى تغذية راجعة مباشرة من خبراء أو مستفيدين. هذا التسارع لا يصنع منتجاً نهائياً فوراً، لكنه يصنع ما هو أهم: فرضيات واضحة، قرارات مبنية على تجارب، وفهم أعمق للمشكلة. بهذه الطريقة يصبح الهاكاثون مختبراً عملياً يقلل تكلفة الخطأ ويزيد سرعة الوصول لما يصلح.
كذلك ينجح الهاكاثون عندما يبني تعاوناً حقيقياً بين تخصصات لا تجتمع عادة. التقني يرى الإمكانات، والتشغيلي يرى القيود، وصاحب الخبرة القطاعية يرى الواقع، ومن يقترب من المستفيد يرى الألم الحقيقي. هذا التلاقي يخلق لغة مشتركة ويقلل “الصوامع” ويجعل الحلول أكثر واقعية. كثير من الابتكار المؤسسي لا يتعثر بسبب نقص الأفكار، بل بسبب ضعف الربط بين هذه الزوايا المختلفة.
ومن زاوية الثقافة، الهاكاثون قد يغيّر المزاج التنظيمي لأنه يكافئ سلوكيات بعينها: التجريب بدل الجدل، التعلم السريع بدل الكمال، ومشاركة المعرفة بدل احتكارها. عندما يعيش المشاركون هذه التجربة مرة أو مرتين، يصبح الابتكار بالنسبة لهم ممارسة يومية ممكنة، لا شعاراً بعيداً. الأثر الثقافي هنا لا يظهر في اليوم الأول، لكنه يتراكم عندما تُكرر الجهة التجربة وتربطها بنظام متابعة واضح.
لكن الجانب الآخر من الصورة موجود أيضاً، وفيه يتحول الهاكاثون إلى “تجميل” لا “إشعال”. يحدث ذلك عندما تكون التحديات عامة أو مفصولة عن الأولويات، وعندما يكون التحكيم محكوماً بجمال العرض أكثر من قابلية التنفيذ، وعندما لا يوجد مالك تحدي داخل الجهة يتبنى الفكرة، ولا مسار تحويل واضح بعد الحدث. في هذه الحالة تُنتج الفرق عروضاً جميلة، ثم تتبخر المشاريع خلال أسابيع، ويخرج المشاركون بانطباع مؤلم: أن الابتكار مجرد فعالية موسمية.
أكثر ما يصنع الوهم ليس الهاكاثون نفسه، بل الفراغ الذي يليه. إذا انتهى الحدث عند تسليم الجوائز، فالنتيجة غالباً “حماس قصير” لا أثر. أما إذا كان هناك مسار لما بعد الهاكاثون، فإن القيمة تتضاعف: تنقيح الفرضيات، تجربة ميدانية صغيرة، تمويل بسيط للتجريب، وتقييم واضح خلال 30 أو 60 أو 90 يوماً. المسار يحول الأفكار من مادة إعلامية إلى مشاريع تعلم وتنفيذ.
ولأن الحديث متوازن، من المهم الاعتراف بأن الهاكاثونات ليست الحل لكل شيء. لا تعالج وحدها مشكلات الحوكمة، أو نقص الصلاحيات، أو غياب البيانات، أو ضعف إدارة التغيير. لكنها قد تكون نقطة دخول ذكية لهذه الملفات، لأنها تكشف أين تتوقف المنظومة فعلاً: هل المشكلة في التقنية؟ أم في الإجراءات؟ أم في الملكية؟ أم في القرار؟ الهاكاثون الجيد لا يخفي العيوب؛ بل يضيئها ويجعل التعامل معها ممكناً.
لذلك، إذا سألنا: هل الهاكاثونات تُشعل الابتكار أم تُجمّله فقط؟ فالإجابة هي: كلاهما ممكن. الهاكاثون يُشعل الابتكار عندما يُصمَّم كتجربة تعلم وتنفيذ داخل منظومة متابعة، ويُجمّله فقط عندما يُصمَّم كحدث مستقل هدفه الصورة لا الأثر. الفيصل الحقيقي بسيط: ماذا سيحدث بعد أسبوع من نهاية الهاكاثون؟ إن كانت الإجابة واضحة وقابلة للتطبيق، فالأثر غالباً حقيقي. وإن كانت الإجابة صامتة، فغالباً نحن أمام تجميل مؤقت.


