
العصف الذهني يحرّك الأفكار… والهاكاثون يختبر الحقيقة
لسنوات طويلة تعاملت المؤسسات مع جلسات العصف الذهني وكأنها ذروة الابتكار. اجتماع منظم، أفكار تُكتب على اللوح، نقاش حيوي، ثم شعور عام بأننا “أنجزنا شيئًا”. لكن التجربة العملية تقول غير ذلك. فعدد الأفكار لا يعكس جودة الحلول، وكثرة الاجتماعات لا تعني اقترابنا من القرار. العصف الذهني قد يحرّك التفكير، لكنه نادرًا ما يغيّر الواقع وحده.
المشكلة ليست في العصف الذهني، بل في الدور الذي نطلبه منه. نحن نريده أن يُنتج حلولًا جاهزة، بينما هو صُمّم ليُنتج فرضيات. وما لم تُختبر هذه الفرضيات، تبقى آراء ذهنية جميلة، لا أكثر.
في أغلب جلسات العصف الذهني، نناقش الحل قبل أن نرى المشكلة بوضوح. نعتمد على تصوراتنا، لا على تجربة حقيقية أو احتكاك مباشر بالمستفيد. لهذا تبدو الأفكار منطقية داخل الغرفة، لكنها تتفكك سريعًا خارجها. الابتكار لا يحب المسافة؛ كلما ابتعدنا عن الواقع، زادت احتمالية الخطأ.
ثم تأتي الإشكالية الأكثر حساسية: غياب القرار. كثير من الجلسات تنتهي دون مالك للفكرة، ودون مسار واضح لما بعدها. هنا لا تفشل الأفكار، بل تُترك لتتلاشى. الابتكار لا يموت بسبب ضعف التفكير، بل بسبب التردد في الحسم. التفكير بلا قرار لا يصنع تغييرًا.
هنا يظهر الهاكاثون كمرحلة ضرورية، لا كحدث إضافي. الهاكاثون ليس بديلًا عن العصف الذهني، بل تصعيدًا له. هو المساحة التي تُجبر فيها الفكرة على مواجهة الواقع خلال وقت قصير، وبأقل تكلفة ممكنة. بدل أن نستمر في النقاش، ننتقل إلى التجربة. بدل أن نتجادل حول الاحتمالات، نختبرها.
قيمة الهاكاثون لا تكمن في السرعة فقط، بل في الوضوح الذي يفرضه. النموذج الأولي يكشف ما لا تكشفه الاجتماعات: القيود، التعقيد، وما يصلح وما لا يصلح. وعندما تتوفر هذه الرؤية، يصبح اتخاذ القرار أسهل وأكثر صدقًا. هنا يتحول الابتكار من نقاش فكري إلى مسؤولية عملية.
كما أن الهاكاثون يختبر ثقافة الابتكار اختبارًا حقيقيًا. في العصف الذهني، يمكن الحديث كثيرًا عن تشجيع الأفكار وعدم الخوف من الخطأ. أما في الهاكاثون، فالسؤال يصبح عمليًا: هل نسمح فعلًا بالتجربة؟ هل نقبل فشلًا مبكرًا؟ أم نتراجع عند أول اختبار؟ الهاكاثون لا يصنع الثقافة، لكنه يكشف إن كانت موجودة أصلًا.
العصف الذهني يفتح الباب، لكنه لا يقودنا إلى الداخل. الهاكاثون هو الخطوة التي تنقلنا من التفكير إلى الفعل، ومن الفعل إلى القرار. وعندما نفصل بين الاثنين، نحصل إما على أفكار بلا تنفيذ، أو تنفيذ بلا معنى.
الخلاصة..
الابتكار لا يُبنى بكثرة الأفكار، ولا بطول النقاش، بل بقدرة المؤسسة على اختبار ما تفكر به، واتخاذ قرار بناءً على ما تتعلّمه. وحين يُستخدم الهاكاثون كامتداد واعٍ للعصف الذهني، لا كفعالية موسمية، يكتمل المسار، ويتحوّل الابتكار من نشاط نظري إلى ممارسة تغيّر الواقع فعليًا.


